حسن فضل المولى يكتب .. حسين خوجلي .. مسيرةٌ لها إيقاع ..

( ياجنراااال !! فلان قال لي صاحبك غرقاااان في العسل ) ..
فيأتي ردي بأن ( لا عسل ) ، ولا ( بصل ) ، ولكن البقوليك ( سمين ) قول ( آميييين )
ويضحك
وأضحك ..
هكذا هو ..
عندما تجلس إليه، أو يهاتفك ، لا يُرى إلا و هو يسوق بين يدي حديثه موقفاً لطيفاً ، أو حكاية ظريفه ..
وأكثر مايستهويه قصص الشكرية والبطاحين ..
فيحدثك عن ( طه الضرير ) ، و ( الطيب ودضحوية ) ومغامراتهما ومجادعاتهما ، وكأنه كان ثالثهما ، وهما يقتادان إبلاً من قبيلة البازة ، على الحدود الأثيوبية ، ففزع على إثرهم رجالُ البازة الأشداء ، بأسلحتهم النارية والبيضاء ، فأدركوهم وأحاطوا بهم ، فقال الطيب لطه ، وهذا الموقف العصيب يلفهما ..
( زمنك كلو تاكل باردة ما ضُق حاره
واطرى الليله ياطه أم حمد والساره
درق البازه جاك زي السحابة التَّارة
وحِس أب جقرة والقربين صواقعاً كارة )
فرد عليه طه برباطة جأش ..
(باكل حاره وماضُق بارده ماك داريني
واسعل مني ربعاي البعرفوا قريني
حس أب جقرة والقربين دوام طاريني
أنا أخو اللينة كان يبقى الحديث عانيني)

ويسوق لك طُرفةً بعد طُرفة ، ثم يدلف إلى موضوعه ،،وأنت في قمة الإندهاش بما قال ، لا تملك إلا أن تنساق ، وتنقاد وتستجيب إلى ما يطلبه منك ، أو يدعوك إليه ..
وقد استمد تلك الروح الفكهة ، من نشأته في حيٍّ أنبت أشهر ظرفاء أمدرمان ، لذا تجد فيما يقول ويحكي ، سرعة بديهة ( كمال سَيْنا ) ولطائف ( الهادي نصرالدين ) ، وتخريماته ..

وعندي لكليهما مواقف طريفة ،فقد كانت تربطني بهما علاقة جميلة ، عليهما الرحمة ..
أذكر مرة أن أخي ( صلاح إدريس ) ، ترك عندي أمانة ( لكمال سَيْنا ) ، وكان ( كمال ) يزورني من وقت لآخر بمكتبي بتلفزيون السودان ، فجاءني ، وبعد أن استلم أمانته قال لي مازِحاً : ( ياخ صاحبك ده قبل كده أداني حاجة ، قلت ليهو أوعك تمشي تذيعا ، يمشي المرة دي كمان يعملا مُتَلفزة ) ..
وذهبت برفقة أخي ( جمال الوالي ) لتقديم واجب العزاء في شقيقة ( أبراهومة الصغير ) ، بحي ( ود أورو ) ، و صادفنا ( الهادي نصرالدين ) هناك ،
و قد كان يحمل ( لجمال ) محبة خاصة ، كنت شاهداً على كثير من مظاهرها ، وترافقنا معه ، لزيارة أحد الإخوة جوار ( مسجد الإمام عبدالرحمن ) والذي دعانا بإلحاح للغداء فاعتذرنا ، فقال : ( طيب أقعد إنت يا الهادي ) ، فأجابه : ( يازول إنت ما نصيح ، غدا شنو البقعد أحرسو ، وأخَلِي ليهو جمال الوالي ) !!
هذا مما يُقال ، وما لا يُقال كثير ..

وأم درمان بالنسبة إلى ( حسين ) ، ليست مدينة سَكَنَها ، بل هي روحٌ تَسْكُنُهُ ، لذلك تجده دائم الإعتداد بها والتغني بمفاخرها ، ليجسد ..
أناقة أبناء أم درمان
وثقافة أبناء أمدرمان
وتعالِي أبناء أم درمان
وتعلق أبناء أم درمان بأم درمان ..
لا تكاد تَمَلُه وهو يحكي عن شعرائها ، وظرفائها و زعمائها ، وشيوخها ، و أنصارها ، ومطربيها ..
وعن الهلال فكأنه ( الطيب عبدالله )
وعن المريخ فتحسبه ( شاخور ) ..
وعن ( بدور القلعة ) وكأنه هو من أشار إلى أبوصلاح ، إلى تلك الحسناء ، في الحفل ، لينظم فيها شعراً ، لا كرومة فنان الحفل ، والذي هو من لفت إنتباه أبوصلاح ..
( السيوف ألحاظك تشهرا
للفؤاد المن بدري انهرا
أخفي ريدتك مره وأجهرا
نار غرامك ربك يجهرا
يابدور القلعة وجوهرا
الصدير أعطافك فترا
النهيد باع فينا واشترا
الشَّعر أقدامك ستَّرا
رقصيبو قلوبنا البعثرا
يا بدور القلعة وجوهرا ) ..

و أطلق على قناته أم درمان ..
ويحدثك عن ( سوق أم درمان الكبير ) والذي عمل فيه صبياً مع والده ، في تجارة الأقمشة فأتقن فنون البيع والشراء منذ وقت مبكر و حاز الشطارة ،، ولسوق أم درمان ذكريات حبيبة إلى نفسي ، فقد كنت أقضي الإجازة في دكان عمي ( جادالله ) ، أبيع الخردوات ، والعسل المُنقَّى ، والبخور ، والزنجبيل ..
ويأخذك ( حسين ) من السوق إلى ..
الضريح الفاح طيبو عابق
ومن علايل أب روف للمزالق
ومن فتيح للخور للمغالق
بالطريق الشاقي الترام ..

وأنا أول مرة أرى فيها (حسين خوجلي) عندما كنت طالباً في( الإسلامية ) لما تم تكليفي بالمشاركة في ندوة للإتجاه الإسلامي ، بجامعة القاهرة فرع الخرطوم ، فوافقت على مضض ، وعندما ذهبت ، وجدت متحدثاً ملأ المكان والزمان ، فحمدت الله الذي نجاني ، ومنذ ذلك اليوم ، رسخ في ذهني ( حسين خوجلي ) ، الخطيب المُفَوه الذي ينتقي مفرداته ، ويعبئها بالمعاني ، فتتقافز متدفقة لِتُحْدِثَ فَعْلَ السحر في نفوس سامعيه ..
وعندما عدت من السعودية ألحّ علي أن أنضم سكرتيراً لتحرير ( ألوان ) ، ورغم أن الصحافة كانت تستهويني ، إلا أني أعتذرت ، بعد أن استشرت من كان يشغل الوظيفة ، فاختصر لي الأمر ، بأن أهيئ نفسي للوجبة اليومية ، والتي هي رَشُوشَة كسره معجونة في طماطم ، ولم يكن هذا هو السبب ، إذ أني لم أكن أُحَدِّثُ نفسي بعجوة معطونة في عسل ..

وتظل ( ألوان ) مدرسة ، لها مايميزها في مسيرة الصحافة السودانية ، وقد أضفى عليها ( حسين خوجلي ) ، من تجربته وإرادته ، ومخزونه الأدبي والفكري ، وتَشَعُب صلاته ومعارفه ، مما صيَّرها ملاذاً للقُرَّاء ، وبوصلة لإتجاهات السياسة السودانية وتقلباتها ..
وألوان في عهدها الذهبي ، لم تكن مجرد إصدارة بالنسبة لمن يعملون فيها ، بل كانت حاضنة لهم و منارة ، رفدت السودان بجيل من الصحفيين والكتاب النابهين ، تعرفهم بسيماهم ، يصدعون بالحق ، ويلتمسون الحقيقة ،، تراهم اليوم في كل أودية الكلمة ،، يُقاتلون ويقولون ويفعلون ..
لقد أرسى ( الطريقة الحسينية ) في مزج الأدب والفنون بالسياسة ، في الصحافة المعاصرة .. و أن يكتب كلُ واحدٍ ما بدا له ، وما هو مقتنع به ، بلا حسيب أورقيب ..
و أن تقول رأيك ، بكل جرأة ووضوح وصراحة ، ويتسع صدرك للرأي الآخر ، مهما بلغ من البجاحة والوقاحة ..

و ( حسين ) ، رغم المواقف الحادة ، والمتصلبة ، و المُزَلْزِلة ، التي يصدع بها تجاه خصومه ، إلا أنك عندما تقترب منه وتلازمه ،، تجده في ( خويصة ) نفسه ، متسامحاً ، ودوداً ، ( ود بلد ) ، ( حبووووب ) يُقَّدِرُ كل ذي قدر ، ويستخلِص من كل إنسان ، ومكان ، وكيان ، أجمل ما ينطوي عليه ، ويخلع عليه أجمل الصفات فمثلاً..
يحكي عن المهدية ، فتكاد تسارع إلى حفظ راتب ( الإمام المهدي ) وارتداء ( جناح أم جكو ) ..
ويحدثك عن ( الأخوان المسلمين ) حتى تحسب أنهم الفرقة الناجيه ..
و عن محمد إبراهيم نقد ومواقف في حياته ، فيُشَهِيك في الشيوعية ..
ويحدثك عن الشيخ عوض عمر ، فتحس ملأ سمعك الطلاوة والحلاوة ، وهو يرتل القرآن ترتيلا ..
وعن ( مؤمن الغالي ) فيحببك في ( مؤمن ) وعموم ( الجبلاب ) ..
ويحدثك عن ( الهمباتة ) فتحسبهم من أولياء الله الصالحين ..
ويحدثك عن أغنية المصير ، فتقف على عبقرية الكلمات عند سيف الدين الدسوقي وألحان ودالحاوي وأداء إبراهيم عوض فتحسبه هو القائل والملحن والمؤدي ..
( ليه بنهرب من مصيرنا
ونقضي أيامنا في عذاب
ليه تقول لي انتهينا
ونحن في عز الشباب ) ..

و ( حسين ) شجاع لا تلين له قناة ..
و قارئ نهم يلتهم الصحائف والمجلدات ..
وكاتب تسعفه الأفكار ، وتطاوعه الحروف ..
ومتحدث يستنطق الصخر العَصِيِّا
و ( حسين ) متدين بطبعه وأصله ..
وهو تدين نشأ عليه في أسرته ، والتي تمتد جذورها إلى( الشَرَفة ) ،حيث تاريخها الناصع في مقاومة الإستعمار تحت قيادة ( الشريف أحمد ود طه ) ..
وكان مولده في ( ودنوباوي ) ، مثابة الأنصار وقبلتهم ، حيث يرضع صغارهم الرجولة ممزوجة بحليب أمهاتهم ..
وعلى مقربة منه تشع أنوار( الطريقه السمانية الطيبية القريبية الحسنية ) ..
و انضوى مبكراً تحت لواء ( الإتجاه الإسلامي ) ، والذي يعتبره البعض ( إسم الدلع ) لتنظيم ( الأخوان المسلمين ) .. ويقيني أنه ليس كل من انخرط في هذا التيار ، يعتبر منتميا لتنظيم ( الإخوان المسلمين ) أومنظَماً، بل أكاد أجزم أن الغلبة للمتعاطفين الذين ، ينساقون نحوه ككيان ، يحقق لهم أشواقهم في التمكين للإسلام في حياتهم ، وإقامة شرع الله في المجتمع ،
وأظن أن حسين واحد من هؤلا ، عندما تراه يلتقي ويفترق ، ويأخذ ويرد ، ويستجيب ويتمرد ، و كثيراً ما لا يلتزم بالأطر التي تنشأ هكذا إستجابة لضرورات السياسة وتقلباتها ..
إنه حالة من التدين قائمة بذاتها ..
يمازج بين الصوفية ، والمهدية ، والسلفية ، والإخوانية ، يأخذ من الباطنية ويترك ، ويأخذ من الظاهرية ويترك ، ويأخذ من المعتزلة ويترك ، ويتفق مع الشيعة ويختلف معهم ..

وهو مثال للسوداني القُح ، الذي يستجمع كل أَنِفَة السوداني ، واعتداده بنفسه ، وفخره بموطنه و أجداده ، لذا تجده لا يغادر السودان إلا مستشفياً .. وأذكر عندما كنت في مصر ، وفي العام ٢٠٠٤ تقريباً ، إتصل بي مبدياً نيته في الحضور للعلاج ، وكان قبلها شديد الهجوم على الحكومة المصرية ، فقلت له مادام قد منحت تأشيرة دخول ، إتوكل وتعال ، فجاء وأفراد أسرته فاستقبلته بمطار القاهرة ، في الصالة الداخلية ، وعند عبور ( كاونتر ) الجوازات ، وبعد أن فرغ الضابط من ختم جوازات أفراد أسرته ، إلتفت إليه قائلاً : ( لو سمحت ، خمس دقائق يا أستاذ حسين ) وكانت الساعة الثامنة صباحاً ، فامتدت الخمس دقائق إلى الرابعة عصراً ، و كان كلما أبدى تبرماً ونيته في العوده تأتيه الإجابة .. ( لااااا ، إزاي يا أستاذ ( حسين ) ، ( الباسبورت ) في السكه يا أستاذ ( حسين ) ومعالي الوزير مؤشَّر عليه ) وعند خروجنا من المطار ، بعد أن قضينا تسع ساعات ، قال لي : ( الجماعة ديل ما منهم أمان ) ، فقلت له : ( دي ( قَرْصَة ) يامولاي حافي حالق .. وتاني ما تشيل هم ) ..

هذا هو حسين للذين لا يعرفونه ..
و هي تذكرة للذين يعرفونه ..
أما الذين لا يحبونه ، فهي دعوة مني ، ليمنحوا أنفسهم فرصة للوقوف على بعض الجوانب المضيئة من شخصيته الفذة ، ومسيرته ذات النفع ، والنَقْع ، و الوَقْع ، والإيقاع ..
وله مني التحيات الزاكيات ..
والسلام ..



قد يعجبك ايضا