عبرة الانتقال: تمحيص الرجال واختبار العقول -صديق محمد عثمان

– بعد سقوط مايو ذهب اليساريون ينقبون في ملفات الوزارات التي شغلها الاسلاميون لبعض الوقت وكانت حينها محدودة جدا حيث شغل الشيخ الترابي وزارة النائب العام لفترة ثم مستشارية الرئيس للعلاقات الخارجية ، بينما عمل الشيخ احمد عبدالرحمن محمد وزيرا للداخلية لفترة ايضا بينما كان الاستاذ علي عثمان رائدا لمجلس الشعب والدكتور علي الحاج محمد وزيرا في دارفور.

– بين يدي المصالحة اشترطت الحركة حرية العمل فوافق النميري ولكن بدا له ان يضع قادة الحركة تحت عينه فاقترح على دكتور علي الحاج والقاضي عبدالرحمن ادريس اللذان التقيا به بصحبة فتح الرحمن البشير ان يتوليا مناصب تخول لهما حرية الحركة واشار الى ان تحركهما قد يتعرض لمضايقات السلطات في حال لم يكونا يحملا صفة رسمية، فادركت الحركة مغزى الرسالة ووافقت على شرط النميري غير الصريح ولكن المكتب التنفيذي اشترط على من يتم ترشيحهم لتولي مناصب في السلطة الا ينالوا اي مخصصات غير المرتبات بما في ذلك الحرمان من التقديم للخطط الاسكانية. لذلك لم يجد المنقبون في اثارهم شيئا يستحق النشر والتشهير به.

– في بداية محاكمة الرئيس البشير في ما عرف بقضية الاموال في مكتبه دعم القحتيون المحاكمة السياسية بنشر معلومات عن حساب رئاسي لرئاسة الجمهورية ومن بين الوثايق التي نشروها حينها منح مالية صدق بها رييس الجمهورية او موسسة الرياسة لعلاج بعض الاشخاص او مساهمات مالية لمؤسسات ومنظمات اهلية، ولكنهم فجاة توقفوا عن النشر وكنت حينها اتحداهم ان يوصلوا في النشر لعلمي بانهم لا محالة ومهما حاولوا تخير الوثايق فسوف يتسرب من بينها اسماء قاداتهم ومؤسساتهم التي خصصت لها رئاسة الجمهورية دعما ماليا في مناسبات عديدة. وكان الراي العام سيقرا فواتير علاج السرطان للقيادي المعارض الشهير او تحويلات زراعة الكلى لاخر او تذاكر الطيران لاسرة مناضل تقطعت بها السبل في مكان ما من العالم. وقد حدثني احد الاخوة بان وزيرا كبيرا في حكومة حمدوك كان يقول لهم في اجتماعاتهم الخاصة بانه من الخير لهم ان يهداوا من فورة المتطرفين فيهم فلما كان الوزير يرى علامات الاستغراب في الوجوه كان يمضي في الشرح بانه حينما استلم مكتبه بالوزارة لم يصدق عينيه لانه توقع الا يجد اي اثر لكثير من الوثائق والخطط والسياسات ومحاضر الاجتماعات وسجلات الاجراءات المالية ، ولكن الذي وجده اذهله فقد كان كل شيء في مكانه حتى الخطط المستقبلية وتقارير الرصد والمتابعة ومستويات التنفيذ للسياسات وكان يقول لرفاقه بان من يفعل ذلك هو شخص او جماعة واثقة من عودتها اولا ولابد انها تملك صورا لكل ما تركته.

– طالعت خلال الايام الماضية تصريحات من الاخوان ياسر عرمان وامجد فريد وكتابات لشيخنا العايد الى فيافي الماركسية بقوة هذه الايام الدكتور عبدالله علي ابراهيم والرابط الناظم بين هذه التصريحات والكتابات هو استياء هولاء السادة من استجابة السلطة الانتقالية لما يعتبرونه استفزاز الاسلاميين لجرها الى المربع الذي يريدونه وهو مربع مصادرة الحريات والقمع وكانوا ينادون ومعهم اخرين بضرورة ( تفكيك دولة الاسلاميين الموازية ) كما سماها ياسر.

– خلال مايو وبعد المصالحة انطلقت الحركة تؤسس نموذجها الذي ظلت تحدث عنه الناس ولم يكن هذا النموذج عبارة عن مشروع جاهز استوردته الحركة من مكان ما بل كان عبارة عن مبادرات مؤسساتها وافرادها الذين استثمروا فسحة الحرية التي اشتروها بدماء اخوانهم شباب دار الهاتف وشهداء الجزيرة ابا وغيرها من المواجهات مع سلطة مايو التي اسسها اليسار. وما لبث راس السلطة ان راى نموذج الحركة الاسلامية ينمو ونموذج اتحاده الاشتراكي خواء لا افكار ولا مشروعات فقرر الاستيلاء على نموذج الحركة با( الغانون) ولان شيخ الحركة يومها كان يجلس مكان صناعة القانون فقد ازاحه ثم فصل القوانين على نحو يمكنه من التمتع بملكية التوجه الاسلامي. باختصار حاول النميري ادخال النموذج الضخم للتوجه الاسلامي في ( فتيل) نموذج سلطة المستعمر التي كان يراسها وهذه عملية في غاية الغباء لانها تشبه وضع فيل على ظهر حمار ومحاولة نقله.

– لكن النميري ليس فريدا في ذلك فبعد اقل من عقدين على فشل محاولته هذه اعادت الانقاذ محاولته هذه حينما قامت بمصادرة نموذج الحركة الاسلامية وادخلته في سلطة الانقاذ فتحول الدفاع الشعبي الى ادارة حكومية اكثر بيروقراطية من الجيش نفسه وتحول مجلس الصداقة الشعبية الى ادارة في القصر الجمهوري واستولت وزارة الرعاية الاجتماعية على صناديق الضمان الاجتماعي والمعاشات والزكاة بعد ان كان قد تم اخراجها كمؤسسات مساهمة عامة، وتحولت منظمة الشهيد الى موسسة عاجزة حتى عن رفع شواهد على قبور الشهداء ناهيك عن خلافتهم في اهلهم.

– وفوق ذلك كله سارعت الانقاذ الى استجلاب كيانات المعارضة وادخلتهم معها فوق كرسي السلطة فتضاعفت ميزانيات تسييرها اضعاف مضاعفة فقد جاء المعارضون يحملون فواتير التعويض عن مصادرات املاكهم وهو حق مشروع ولكن الفواتير الاكبر كانت فواتير تعويض النضال، فثقل الحمل جدا على هيكل الدولة خاصة وانها من ناحية اخرى كانت تتعرض لاكبر عمليات الابتزاز والهمبتة من سابلة السياسة الغربية، فما من سكرتير في مكتب وزير خارجية امريكا او بريطانيا او الدول الاوروبية وما من ضابط اتصال في مكتب مخابرات غربية الا وسرب بعض المعلومات لصديق له عاطل يعيش على ترصد مشاريع المنظمات الدولية في دول العالم الثالث فاصبح ذلك العاطل خبيرا في الشئون السودانية وسرعان ما استخرج له صديقه السكرتير صفة رسمية فاصبح مبعوثا لدى السودان او وسيطا في مفاوضات او سمسارا في صفقة لحكومة السودان مع مكتب محاماة يبيعها محايات وبخرات رفع العقوبات وشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب واعفاء الديون.

– في ابريل ١٩٨٥ سقط حمار النميري وقام فيل التوجه الاسلامي وحينما هز خرطومه ارتعدت فصايل الذين تجمعوا حوله يحملون اسياف العشر وحراب (لولي حربة) وفي ديسمبر ٢٠١٨ سقط حمار الانقاذ وقام فيل التوجه الاسلامي ومرة اخرى قفز بعض الواهمين يحملون اسياف العشر وحراب ( اوزون).

– محصلة الفترات الانتقالية وفائدتها انها تعمل كغربال يحجز الزبد فيذهب جفاء وتجري مياه التوجه الاسلامي تسقي الحرث وتثير الارض ليست بذلول ولكنها زلال.

– دولة الاسلاميين الموازية التي يريد ياسر عرمان تفكيكها هي التي استخرجت البترول واسست الصناعات الحربية وزرعت مليوني فدان قمح وانشات خمسين جامعة جديدة واكثر من خمسمائة مدرسة والاف الكيلومترات من الطرق واحدث بنى تحتية لشبكة الاتصالات. وليرجعوا الى سجلات وزارة المالية وبنك السودان وليبحثوا عن سجلات القروض والاموال التي دفعتها حكومة السودان لتحرير البترول من شيفرون او لتاسيس الصناعات الحربية لجيش البلاد فاذا وجدوا اثرا لمليم احمر خارج عن خزينة الدولة سيكون من حقهم المطالبة ب ( تفكيك دولة الاسلاميين الموازية) اما ان لم يجدوا فلا اقل ان يمتلكوا الشجاعة للاعتراف بان ما اضافه الاسلاميون للدولة لم ولن يستطيعوا هم مجتمعين ان يضيفوا واحد بالمليون منه.

قد يعجبك ايضا