محجوب حسين – ترويكا الكفاح الوطني المسلح بين كراسي “الدم الحمراء” و الكراسي “البيضاء” !!

في الإعلام “اللحظوي” الذي تأتي فيه القطع الإعلامية وعلى أجناسها المختلفة لحظة بلحظة، شاهدت مؤخرا مادة بصرية لسانية قصيرة بثها ناشطي الثورة البارزين المعروفين ب “شوتايم” و “دسيس مان” وهما يبدوان في نسخة جديدة، يرتديان فيها عمامة “الكدمول” الذائعة الصيت والتي شكلت رمزا للمقاومة في تضاريس سودانية عديدة، فيما تراها تضاريس ثقافية أخرى عبارة عن برابرة متوحشين، أوباش!!. الناشطان، يتحدثان عن “الثورة” التي غادرا مكانها و زمانها جغرافياً و لعامين بحديث آخر مغاير، كذلك جاء خطابهما الإعلامي مختلفا من حيث البنية و الدلالة و المرجعية الثورية التي راكمتها تجربتهما خلال تفاصيل ثورة ديسمبر أو قبلها.
ذلك هو مشهد الصورة البصرية. فيما سيميولجيا الصورة عبر التنقيب و الحفر في علاماتها البصرية و نصها الألسني، نجدها تؤسس لسؤال الجوهر و هو سؤال “الإختلاف” في تكييف ماهية الثورة و شكل الصراع السوداني و ميكانيزمات الإشتغال فيه، و هذا ما يفتح معه الباب البحث عن سوسيولجيا مسوغات تحول الناشطان لأبنية ثورية أخرى و برمزياتهما القارة الدالة، المؤكد أنها تختلف و تتقاطع مع ما كان يروجان له في فهم الصراع الثوري السوداني الذي مضيا فيه وقتئذ، بإعتباره فعلا ثوريا يحسبونه “جمعويا”، يحمل عنوانا واحدا “مقدسا”. يأتي هذا في وقت إعتبرتهما أواسط عديدة، أنهما من أيقونات ثورة ديسمبر، و هما كذلك، أديا دورا مهما و بارزا و مشهودا للسواد الأعظم في التعبئة الثورية المدنية، و ذلك قبيل ان يعمل “مقص” منظم المجال السياسي السوداني و عبر محدداته و شروطه علي فرز شكل و تشكيلات أيقوناته و رموزه، فضلا على ذلك، العمل على سجن و إغتيال و “فرّم” آخرين في “مطحنة” فرز التصفيات و التصنيفات المدافعة في سباق ” الأيقونات” الثورية التي يجب أن تكون و قد كانت ضمن شروط المجال.
هكذا أفضت الثورة السودانية إلى عقد مدني إبتدائي مؤقت أطلق عليه ” الوثيقة الدستورية” و التي جاءت نتاج للإتفاق السياسي الموقع بين السطة العسكرية و القوى المدنية الثورية المتمركزة و التي تضم ساعتئذ و قبل ” الفلترة” قطاع معقول من مكونات القوى المدنية، كان بإمكانها تشكيل نواة لتحالف عريض بين القوي الحضرية و القروية أو الريف و الحضر قد تؤسس للكتلة الوطنية الديمقراطية السودانية، ما دامت شروط الكتلة التاريخية قد توفرت، حيث بمراجعة حيثات و وقائع الفعل الثوري آنئذ، كان يمكن إنتاجه بصيغة أفضل لولا عقل المساومة و التسوية النفعي/المعاشي الذي إتسم به العقل السياسوي السوداني تاريخيا، و هو سبب قعود الثورة اليوم و تأرجحها و إضطرابها و ضعف منجزها الثوري المطلوب مقارنة بقوة الدفع الثورية المحركة له و نصاب بلوغ الشرعية الثورية، الذي فاق ما حددته أو قررته أعتى أدبيات النظم الدستورية.
وفق نسق هذا التسلسل، جاءت قواتنا في الكفاح الوطني، و بشقيها الثوري المدني و المسلح عبر إتفاق “سلام السودان” الموقع في عاصمة جمهورية جنوب السودان “جوبا” في إكتوبر من العام الماضي، يمكن تسميتها ب”الترويكا الوطنية الجديدة”، لتنضم، بعد إجراء تعديلات و جراحات في العقد الوطني” الوثيقة الدستورية” إلى محفل ما بعد الثورة، و هي الثورة المُختلف و المتنازع في ماهيتها و مرجعياتها الثورية و تتجاذبها أطراف متشاكسة متخاصمة ، حيث من يرى فيها مشروعا إصلاحيا ترميميا لما قبل الثورة، أي بعملية “إعادة الإنتاج”، بإعتبارها ثورة انتجتها القوى المدينية المتمركزة، و أخرى تشير إلى ثورة تغيير لكل البنى الفوقية و التحتية و الأشكال النمطية و القيم و طبيعة علاقات السلطة و ثقافتها و هناك من ذهب الى مفهوم تغيير التشكيلة الإجتماعية بأخرى، و يرى آخر بأنها ثورة تراكمية، نتاجا لثورة ضحايا الإبادة الجماعية، إنها ثورة حقوق و إستحقاقات مدنية، ثقافية و فكرية و معرفية، ثورة مفاهيم نقدية، تقوم على قطيعة مع كل أشكال اللامعقول، و هو سؤال التأسيس للمأسسة الوطنية، فيما هناك من شكك في هذه التراكمية بإعتبارها فعلا ثوريا أنجزه الحضر السودانيون….إلخ. و مرد هذا يعود بالدرجة الأولى إلى صراع أو تنافس بين الإرادات الوطنية الإجتماعية التي تمثلها المكونات السودانية في الجهات الأربع، في محاولة كل واحدة إمتلاكها لفائدة إحتكارها قصد الرفع من قيمة رأسمالها الرمزي لغاية بلوغ السلطة التي تضمن تموضعات جديدة لتراتبية الارادات الجهوية أو حتي القبائلية، و كلها تراتبيات في علوها و سموها أو إنحطاطها ترتبط بنيويا بقوة السلطة و النفوذ الاقتصادي الذي تنشئه مداخل السلطة و من ثم القوانين و كل أشكال الحماية التي تعبر أو تحمي مصالحها.
هذا التباين المفاهيمي و بأشكاله الصراعية، الثقافية، التاريخية و الجهوية، شكَلت ماكنية تغذية مهمة لإدارة دفة صراع المجال السياسي السوداني الراهن و الذي كشف عن كل الأنماط المسكوت عنها، و حقيقة يحسب هذا على كونه تطورا في سيرورة بنية الأزمة السودانية في كونها تمكنت من إزاحة ستار الغموض الذي كان يلتف حول الأزمة. الآن بات كل شيء واضح وعلني و بحجية اللعب بالواضح و المكشوف، و ما عادت معها التورية أو الإستعارة كتقنيات للخطاب السياسي و ألاعيبه صالحة للإستهلاك، فكان طبيعي أمام هذه “المقصلة” السياسية أن يتم فيها لفظ ” شوتايم” و “دسيس مان” المشار إليهما في مبتدأ المادة في صراع المجال السياسي بعدما رفضا شروطه و لم يستجيبا إليه، و بالمقابل دفعا ثمن الرفض و عدم الإستجابة و من ثم إندفعا مجددا و بصلابة في دورة إعادة البناء نحو المراجعة الثورية، في نقلة فكرية ثورية مختلفة، قد تتقاطع أو تختلف عما كان يعتقدانه صحيحا، كل من زاويته!! أو كما أن لكلٍ سودانه الخاص، المتخيل!!.
بعد دخول الترويكا الثورية الجديدة إلى محفل ما بعد الثورة بموجب تعديل العقد المدني، أصبحت الخارطة السياسية أقرب إلى ما نطلق عليه ثنائية “كراسي الدم” و “كراسي الهتاف” أو الحمراء و البيضاء في تدبير الشأن الوطني برغم إختلاف مرجعيات هذه الكراسي، الأول كان مرجعه الدم و الأرواح التي إستشهدت، و أي نظرة فاحصة تحت كل كرسي من كراسي الدم، تجد مئات الألوف من الأرواح في قبور فردية أو جماعية مع شواهدها لغاية التعريف إن وجدت، و تتوزع أرواحهم بين تلكم كرسي، هذا إن أردنا توزيعها في معادلة حسابية تقريبية، نجد أن عديد الأرواح تحت كل كرسي ما يقارب أل 50 ألف روح بالنظر إلي العدد الكلي لشهداء الوطن الموثق في الوثائق الأممية، هذه الكراسي التي يُجلس عليها يلونها لون الدم الأحمر مهما بدّت و ظهرت في الوان، و تمثل عنوانا لقضايا شعوب، حفرت كراسيها بالدم و السلاح لأجل إنسانيتها فوق الأرض و تحت الشمس، و هي غاية إنسانية فقدت من أجلها كل شيء، أي شيء، لتعيش اليوم في مسغبة و ذلة لا نهائية، عنوانها اللاحياة، مثلهم مثل الموتى. كراسي” الدم”، السابقة و الحالية و القادمة و للتاريخ، لم تأتي حظوة أو وجاهة أو برغماتية أو لعبة ممتازة أو همة و إقتدرا أو كفاءة، بل أتت مقابل شيك من الدم الأحمر لتلك الأرواح، كل روح وقعت بدمها أمام نعشها يوم الإستشهاد و بقيت اليوم على رفاتها، كما أنهم إتحدوا جميعا في فصيلة دم واحدة، ليست ألفا و لا باءا وفق عينات المختبرات الطبية و إنما حول إستحقاقات لحقوق و أنسنة الدولة بمواطنة و بعدالة، إعتراف و مساواة، هذه الأرواح الموقعة، هم شهداء كُثر، هناك أرواح طاهرة نعلمها و أحرى طاهرة لا نعلمها، فيهم قيادات، منهم عبدالله أبكر ود. خليل و طرادة و جمالي و الزبيدي ،،،،إلخ، بلا شك، إن سئلت هذه الأرواح التي إستشهدت عن قضاياها تجدها هي الأعمق و ليست الأفضل بالطبع من كراسي الزوج الآخر من الثورة و التي هي الكراسي” البيضاء” كراسي الهتاف الممزوجة بالدم و التجمهر و قطع الطرق لشل الإستبداد، مع الغليان الجماهيري المشترك و المعبر عنه بحالة ثورية ناضجة نحو التغيير. و ما دمنا هنا لسنا في مزاد علني للدم أو السمسرة فيه، حيث الدم كله واحد و الثورة السودانية التراكمية التي إستأصلت الإسلاموية كلها دماء، كانت في كراسي “الهتاف” الممزوجة بالدم أو كراسي “الدم” الحمراء الصافية، دماً أحمر دون شوائب، كلتاهما ساهمتا و بقوة دفع جماهيرية وطنية و في علاقة منتجة أنتجت ملحمة ثورة ديسمبر مع إختلاف الآليات.
لذلك المهمة الملقاة على كراسي” الدم” تضعهم جميعا أمام مساءلة سياسية و ثورية و أدبية و تاريخية من لدن ضحايا مجتمع ما بعد الإبادة الجماعية و جرائم ضد الإنسانية و الحرب. مهمة التأطير الوطني الجديد تتطلب من القوى الثورية ممارسة نقد ذاتي و عنيف لمواكبة ترمومتر التبدلات العميقة التي تعيشها المجتمعات السودانية جراء تيار الإستنارة الواسع الذي أحدث نقلات لم تواكبها حتى اللحظة حركية عديد من التيارات الثورية لغاية تحقيق إستحقاق وطني أساسه أنسنة الدولة عوض توحشها و نقل الدولة من المشروع إلى المؤسسة عبر تصحيح عقدها الوطني القائم على نسق اللاـ مساواة، و هذا يشكل اصل الدّين المطلوب دفعه و هو ثمن أرواح الكراسي الحمراء، يقع هذا دون مّنٍ من أحد، و تتحدد أولى مهام الكراسي الحمراء الوطنية الثورية ـ غير مهام الإشتغال اليومية في دولاب الدولة ـ هي تذويب أو القضاء إن لم يكن تقويض ثقافة التمركز الأحادية لصالح ثقافة متعددة الأطراف في شراكة وطنية حقة، بتصحيح علاقة ” الأنا” الحاكمة و “الآخر” المحكوم، و هي علاقة واقعة محل خلل تاريخي و بأبعاد ثقافية و جهوية و إثنية و عرقية، و تتمظهر العلاقة محل الخلل في “أنا” متعالية و “آخر” بائس جراء غياب عقد المواطنة ، الذي يستعيض عنه بمتخيلات و تنميطات قريبة للميثولوجيا و الميتافيزيقيات. إذاً على كراسي الدم، العمل على إشاعة ثقافة جديدة لإدارة الشأن العام بنهج التعدد، و هذا لايقع إلا بنقل مفهوم المواطنة الدستورية من التنظير إلى الفعل و الإحساس الجمعي، عوض عقد المواطنة الثقافية، و هي ثقافة النسق الاجتماعي المهيمن الذي تناولناه في العديد من مقالاتنا التي نشرناها و لأكثر من عقدين و نيف، على سبيل المثال، صحيفة ” القدس ” و ” الزمان” التي تصدران في لندن و كذا في عدد من الصحف العربية و جزء من الصحف السودانية، حيث إستحقاقات ثورة الدم هي المباديء و الدلالات الفلسفية الكبرى لمفاهيم المساواة و العدالة و الحقوق المدنية و الاقتصادية و الحقوقية….إلخ في عملية نقدية شاملة لكل منطلقات الدولة الوطنية الأولى التي إنتهت إلى اللاـ دولة، في تسجيل للإخفاق الوطني بعد مضي فترة تاريخية تجاوزت النصف قرن و نيف، دون أن تتحمل أي جهة أو نظام أو مؤسسة ثمن الإخفاق الوطني و لو أدبيا، و كأنها نتيجة لعمل دون فعل أو فاعل، إنه قدر إلهي وفق الفقه القدري الغيبي ما دامت عقولنا عجزت أو لا تمتلك أدوات الإجابة عليه. مقالنا القادم سوف نتناول فيه الماهية السياسية للترتبيات الأمنية الجديدة ضمن منظور الدولة الوطنية الثانية قيد التشكُل.

نقلا عن جريدة “الجريدة”

قد يعجبك ايضا