الصادق عبدالله يكتب – مقتل الرئيس إدريس ديبي.. أبعاد ومآلات

بغض النظر عن آراء الناس حول ديبي الرئيس إلا أن الميتة في ميدان المعركة دفاعا عن ما يؤمن به المرء ويراه حقا لجد ميتة مشرفة تليق بالقادة.
وبمقتل الرئيس إدريس ديبي ستنتقل تشاد إلى حقبة جديدة يكون لها بالغ الأثر على المنطقة كلها، وذلك للأدوار المعقدة التي ظل يضطلع بها الرئيس ديبي ومنها محاربة الجماعات المتطرفة، والتأثير السياسي الهائل على دول الجوار، ومنها السودان بالطبع.. على الرغم من كون المرحوم ديبي إتصف بالبطش والطغيان إلا إنه إستطاع بجدارة أن يحقق قدرا كبيرا من الأمن والإستقرار في الداخل التشادي وفرض هيبة الدولة وذلك بإخضاع الناس لسلطة الدولة الجبرية قهرا وهو أمر ينسجم مع طبيعة المجتمع التشادي المسكون بالعنف والشدة، تشاد مرت بحقب من الفقر والعوز والجفاف الذي إضطر جموع من التشاديين للفرار إلى دول الجوار ذات التداخل القبلي ولكن في عهد ديبي شهدت تشاد رخاءً إقتصاديا ووفرة جعلت الهجرة عكسية من السودان إلى تشاد.

من واقع تجربة الرئيس ديبي فإن نظام الحكم القائم في تشاد نظام شمولي ديكتاتوري يحكم الناس بمشروعية القوة، الغلبة والإمتياز فيه لعشيرة (البديات) ثم بقية عشائر قبيلة الزغاوة، أقام هذا النظام تحالف شكلاني مع بعض القبائل التشادية لإعطاء شيء من المقبولية للحكم القائم، أفاد وإستفاد النظام من الحركات المسلحة في دارفور بحكم التداخل الإجتماعي.

ثمة حقائق مهمة يجب أن نقف عندها قبل تقديم قراءات لتطورات الأحداث هناك:-

*اولاً* : التغيير السياسي في تشاد دوما يتم بالقوة العسكرية، فالسلطة هناك غنيمة يتم الحصول عليها بالقوة بدحر وهزيمة النظام القائم، وديبي نفسه حصل على السلطة بهجوم عسكري إنتصر فيه على الرئيس هبري.
*ثانياً* : الخطر على السلطة في تشاد دوما يأتي من دول الجوار إذ تنطلق المعارضة من إحدى دول الجوار وخصوصا ليبيا والسودان وذلك لعوامل التداخل القبلي بين هذه الدول والحدود المفتوحة بينها.
*ثالثاً* : فرنسا بيدها الكلمة الفصل في الشأن التشادي هي من تقرر من يبقى ومن يذهب وذلك لتأمين مصالحها في تشاد، وتميل وتنحاز إلى الطرف الذي يضمن مصالحها ونفوذها ولديه القدرة على فرض إرادته بالقوة على التشاديين.

*الفرضية الراجحة لمقتل ديبي.*
وجد نظام الرئيس ديبي معارضة شرسة من المجموعات القبلية التشادية، ولعلّ أشهرها تلك المعارضة التي قادها التاما بالتحالف مع القبائل العربية وبدعم وإنطلاق من السودان إستطاعة المعارضة بقيادة محمد نور عبدالكريم دخول العاصمة انجمينا وتم إجلاء المعارضة بالتدخل الفرنسي في اللحظات الأخيرة، من يومها خمدت معارضة التاما والقبائل العربية، وتراجعت معارضة القرعان، والمعارضة الجدية للرئيس ديبي أصبحت من قبل قبيلة الزغاوة بقيادة تيمان اردمي، وتحديدا معارضة البديات أنفسهم لحكم الرئيس إدريس ديبي.
بتحليل المعلومات التي توصلت إليها فإن الرئيس في سنواته الأخيرة أدرك الخطر المتربص به من قبل أبناء عمومته لذلك إستعان بالعديد من المجموعات العرقية الأخرى، وخصوصا القبائل العربية، وحتى حراساته الشخصية جزء كبير منهم من أبناء عمومة زوجته النافذة (هندا) المنتمية للقبائل العربية، على ما يبدو حتى زواج الرئيس ديبي من كريمة الزعيم موسى هلال قصد به تعميق التحالف مع عشيرة المحاميد الممتدة من السودان إلى تشاد لإضفاء شيء من الحمائية على نظام الحكم.
عقيلة الرئيس (هندا) ممسكة بالعديد من الملفات، ويمكن القول أنها الشخصية الثانية في الجارة تشاد من حيث النفوذ والتأثير هذا النفوذ المتزايد ظلا محلا للرفض والمقاومة من عائلة الرئيس وخصوصا أبنائه، وفي الانتخابات الأخيرة لعبت هندا دورا مؤثرا في الدعم والتحشيد بالزيارات واللقاءات والمخاطبات الجماهيرية.. ومن الجانب الآخر إشتدت معارضة (البدايات) للنظام الذي يرأسه ابنهم إدريس ديبي اتنو.. تمسك الرئيس إدريس ديبي بالسلطة أصبح عبئاً على النظام الذي يبحث عن التجديد لإطالة عمد البقاء، وبقاء الرئيس أصبح ليس في مصلحة قبيلة الزغاوة ولربما ذهب ديبي في منحى تخليص هذا النفوذ(شواهد عديدة).
لكل ذلك فإن فرضية إغتيال الرئيس من قبل الدائرة المقربة هي الفرضية الراجحة هذا الاغتيال يتيح للنظام بالتجديد والتخلص من بعض التركات الثقيلة، ومن جانب يؤمن سيطرة الزغاوة على السلطة.. حتى لو أصيب الرئيس في ميدان المعركة فإن الفرضية الراجحة أن جره إلى ميدان المعركة فخ نصب له من الأقربين، صحيح ديبي في مسيرته الطويلة إتصف بالشجاعة والمواجهة وشارك في الخطوط الأمامية في العديد من العمليات العسكرية لكن إستراتيجيا وعسكريا فإن وجود الرئيس في العمليات القتالية يكون بدافع الإشراف وحفز المقاتلين وليس مباشرة القتال حتى يكون عرضة للإصابة من معارضة لا يمكنها تنفيذ غارات جوية.

*خلافة ديبي وما تؤول إليه الأمور.*
بنص الدستور التشادي فإن السلطة تنتقل إلى البرلمان في حال موت الرئيس لقيادة البلاد لفترة انتقالية قبل تنظيم إنتخابات عامة، إرتكب الجيش التشادي خطئا فادحا بإقدامه على تعطيل الدستور وتكوين مجلس عسكري بقيادة نجل الرئيس محمد إدريس ديبي هذه الخطوة المتهافتة لتأمين مستقبل السلطة تدعم فرضية قتل الرئيس ديبي وقيادة إنقلاب من داخل النظام للتخلص من ديبي وتبعاته المزعجة، بكل تأكيد يصعب على نجل الرئيس قيادة تشاد، هذه الخطوة تحفز المعارضة على تكثيف الجهود العسكرية والسياسية للإطاحة بنظام الحكم، وتتشجع القبائل الأخرى للدخول في حراك المعارضة لإنهاء حكم (البديات) الوراثي.
والسيناريو الراجح هو تدخل فرنسا بفرض شخصية عسكرية وفاقية لقيادة تشاد، قد تكون هذه الشخصية من قبيلة الزغاوة ولكن الأقرب للتسوية السياسية الشاملة هناك هو تقديم شخصية عسكرية من غير الزغاوة تحظى بإحترام ودعم المجموعات التشادية المتباينة مع ضمان نفوذ معتبر لعائلة المرحوم ديبي، ويمكن للسودان أن يلعب دورا مؤثرا في ترتيب إنتقال مرن بالتنسيق والتكامل مع فرنسا.. بلادنا حاليا تعاني ضعفا سياسيا واستخباريا يجعلها غير قادرة أو عاجزة عن التدخل الفعال والتأثير في قضايا دول الجوار، وينطلق الأمن القومي السوداني من تشاد وارتريا واثيوبيا وليبيا لذلك من الضروري التدخل الهائل لإحداث تأثير في هذه البلدان يضمن مصالح السودان، والمضرور الأول من فلتان الأوضاع في تشاد هو السودان.

*القوى الفاعلة في الداخل التشادي بالمقارنة مع السودان*
تشاد دولة في طور التشكل، ولم تنضج بعد، ورغم تردي الأوضاع في السودان لكن ثمة فارق حضاري كبير بينها والسودان فالتجربة السياسية السودانية تجربة واعية التدافع فيه يضع إعتبارا لصراع الأفكار والايدلوجيا والمشاريع السياسية، مع وجود تدافع قبلي عنصري جهوي، ولكنه تدافع في العتمة غير مصرح به في العلن، لكن الأوضاع في الجارة تشاد لا تضع إعتبارا للأفكار والمشاريع السياسية بل لا توجد أحزاب سياسية يعتد بها، وبالتالي يمكن القول أن القوى الفاعلة في تشاد هي مجموعات المصالح، والجماعات المسلحة والقبائل.. إذا كانت القبيلة في السودان مفهوم حمائي قائم على التحالف المعيشي، وبالتالي فإن مفهوم القبيلة في السودان مفهوم مرن وإستيعابي فإن القبيلة في تشاد رابطة عرقية شديدة الخصوصية، لذلك تتسم المجموعات العرقية التشادية بالأصالة (نقاء العرق) لذلك الرابطة العرقية مؤثرة بشكل كبير في الحراك العام، ودرجة الحمية أعلى، ويتوزع الامتياز على أساس الانتماء العرقي، ودوما القبيلة التي ينتمي إليها الرئيس تسمى بالقبيلة الحاكمة على وزن الحزب الحاكم، ويقع عليها عبئ كبير بالمدافعة والمنافحة.
تتشارك تشاد مع دارفور جل القبائل، والعديد من القبائل لا تعترف بالحدود السياسية للتفريق بين الأهل والعشيرة، ومن بين هذه المجموعات _ الزغاوة _ السلامات _ البرقو _ التاما _ المسيرية _ الداجو _ الرزيقات _ الميما _ التعايشة _ بني هلبة _ الفلاتا_ اولاد راشد _ الترجم _ قليل من الفور و المساليت هناك، وقليل من القرعان هنا في دارفور.
في الجنوب التشادي توجد مجموعات السارا المسيحية وهي لا وجود لها في السودان، وفي تشاد تعاني من شيء من الاضطهاد الاجتماعي، وبالتالي هي ليست مجموعة فاعلة في الحراك التشادي، لحد الكبير ظل الحكم دولة بين مجموعات الشمال الصحراوية القرعان والزغاوة (هبري _ ديبي) والمعارضة النشطة والفاعلة من مجموعات الشرق المحاددة للسودان التاما والعرب والبرقو، والملاحظة الجديرة بالإعتبار أن القبائل العربية في تشاد يجمعها تحالف راسخ ذوّب التباين القبلي في تحالف قومي واحد، تنامى تأثير المجموعة العربية في السياسة التشادية في السنوات الأخيرة أمر جدير بالمناقشة وذلك لإعطاء تنبؤ بالمآلات النهائية هناك، إستعانة ديبي بالمجموعات العربية واتاح لها الترقي في مدارج السلطة كذلك نشطت المجموعات العربية في حراك المعارضة _ بل في كل معارضة _ ودخلت العاصمة أنحمبنا مع محمد نور لكن لم يكتب لذلك التحالف النجاح، والآن للمجموعة العربية حضور معتبر في المعارضة التي يقودها القرعان وتدير المعارك في الشمال التشادي.

في الحلقة القادمة نتناول المشتركات بين تشاد والسودان ومآلات الأوضاع في تشاد وتأثيرها السياسي والأمني والإجتماعي على السودان.

*الصادق عبدالله*
Alssadig19@gmail.com
20/4/2021

قد يعجبك ايضا