حوار في الذاكرة مع الطيب صالح 2

حوار: سيد إبراهيم زايد-

– نشر الحوار في  أكتوبـــر 2003م  في مجلة مرآة الوسط-

– يمكن القول إن الطيب صالح أقل الروائيين العرب إنتاجاً.. لكنه من أكثرهم شهرة وانتشاراً فقد ترجمت رواياته إلى تسع عشرة لغة.. وأجريت حولها العديد من الدراسات الأكاديمية والكتابات النقدية العربية والأجنبية.

كانت روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” التي صدرت في مطلع الستينيات بمثابة شهادة ميلاد أدبية له بعدها تتابعت رواياته من بينها “دومة ود حامد” و“عرس الزين” و“ضو البيت” و“مريود”.

والطيب صالح يعد أحد الطيور الأدبية العربية المهاجرة، فهو يعيش في لندن حتى الآن، وأثناء مشاركته في مؤتمر الفكر العربي الأول في القاهرة التقته “المجلة العربية” فكان الحوار الآتي:

– بداية.. ما مدى صحة ما يقال حول اعتزال الطيب صالح الكتابة الروائية؟!

* قد يمر الكاتب في بعض محطات عمره بالعديد من التجارب والظروف النفسية التي تؤثر عليه إيجاباً أو سلباً وأنا بالفعل قلت إنني تركت الكتابة الروائية وربما كان ذلك في لحظة من لحظات التعب ولكن هذا الكلام لا يؤخذ على أنه رأيي النهائي فأنا لم أعتزل الأدب ولم أتوقف عن الكتابة، فالأديب لا يعتزل الكتابة لكنه ربما يتوقف بين الحين والآخر حتى يقدم جديداً، وأنا شخصياً أكتب حسب مزاجي وأحب أن أتوازن مع نفسي، فالكاتب ليس مصنعاً ينتج باستمرار دون توقف.

– لماذا طالت فترة التوقف عن الكتابة بالنسبة لك؟ وهل هذا يعني أنك قدمت كل ما عندك؟

* قد تكون فترة التوقف عن الكتابة الروائية بالنسبة لي قد طالت لكن لا أظن أنني قلت يوماً إنني قدمت كل ما عندي، لعلي حاولت أن أفسر لماذا لا أكتب كثيراً ولماذا توقفت عن الكتابة الروائية تحديداً – فترة من الزمن – وذلك لأن لدي كتاباتي الأخرى في النقد والرحلات والتاريخ، وأقول دائماً وأظن هذا صحيحاً إن الكتابة نشاط بجانب عدة أنشطة أخرى في الحياة وليست هي الشيء الوحيد، فيها فأنا على سبيل المثال أحب أن أقرأ وأسافر وأستمع للموسيقى وأتحدث مع الناس، ولست من هذه الفئة التي تؤمن أن الكتابة غاية ويجب أن نضحي من أجلها.

– ماذا تمثل الكتابة بالنسبة للطيب صالح.. المثقف والأديب؟

* هناك كتاب كثيرون كانوا يرون الكتابة معاناة مثل “أرنست همنغواي”، وفي رأيي أن الكتابة عذاب في عذاب بطبيعة الحال لأنها تحتاج إلى نوع من الجلد والإصرار والعمل المستمر والتضحية بالحياة، وهذا بالطبع يحرم الأديب من الاستمتاع بالحياة، وأعتقد أن أستاذنا نجيب محفوظ، وهذا رجل نذر نفسه ضحية ولم يسافر خارج مصر إلا قليلاً جداً ورتب حياته بصرامة شديدة على أن يكتب، فأصبحت الكتابة هي الغاية ولاشك أنه كان يستمتع بالكتابة، لكنه لم يستمتع بالحياة، ودون أن أتطاول على هذا الرجل العملاق أقول إن الفن قد التهم حياته، يعني لكي تكون كاتباً فقط دون أن تحيا فلابد أن تدفع ثمن ذلك بشكل أو بآخر.

– بما أنك لم تعتزل الكتابة فهل هناك مشروعات روائية جديدة قادمة؟

* نعم هناك رواية جديدة أقوم بكتابتها منذ فترة، وهذا بعد مدة انقطاع طويلة لم أجد فيها ما أكتب وسوف أعلن عن اسم هذه الرواية حين تكتمل.

– كيف ترى حرية المبدع والكاتب، وهل هي مطلقة أم لها حدود؟

* أنا أؤمن أن الكاتب والمفكر يجب أن تتاح لهما الحرية الكاملة لكي يعبر كل منهما – بأمانة – عن وجهة نظره وعلى الناس أن يقارعوهما الحجة بالحجة وليس بوسائل قهر الأديب أو المفكر.

– البعض يتهمك باستخدام الجنس بطريقة مثيرة في بعض رواياتك خاصة رواية الموسم؟

* لست كاتباً جنسياً ولا أكتب للإثارة، فالعبارات الجنسية في رواياتي محددة جداً، وهذه العبارات ترد على ألسنة شخصيات تعدوا السبعين يجلسون على حافة الموت، فنحن ننظر للأمور بمقاييس مختلفة، والكاتب في السياق الدرامي يستخدم الجنس كوسيلة للتعبير، ولا فحش في ذلك لأني كي أتحدث عن الخير لابد من المرور بقناة الشر، لكن المشكلة تكمن في كثرة القيود عندنا في المجتمع العربي، ولذلك ما نكتبه دائماً أقل مما نستطيع أن نقوله، والمفروض أنه لا قيود على الكاتب سوى موهبته ويقف حيث تنتهي الموهبة.

– هل هناك علاقة بين الطيب صالح ومصطفى سعيد بطل “موسم الهجرة إلى الشمال”، وهل من الممكن أن تتكرر تجربة موسم الهجرة إلى الشمال مرة أخرى؟

* هذه مجرد رواية، وأنا لست فناناً تشكيلياً، وعندما كتبت هذه الرواية لم يكن أمامي نموذج لأنقله كما أراه تماماً، وإذا كان البعض يرى أن هناك تشابهاً بيني وبين مصطفى سعيد الذي عاش ممزقاً بين الجنوب حيث الدم والأصل والشمال حيث ممارسة الحياة والمتعة، والحق أن كل شيء يكتبه الكاتب له صلة به لأنه ناتج عن تصوراته، ولا يمكن أن آخذ نفسي وأضعها في شخصيات أعمالي، ففي هذه الحالة لن تكون رواية بل نوعاً من السيرة الذاتية، والشبه بيني وبين مصطفى سعيد شخص له موقف آخر ودوافع أخرى في السلوك تختلف عني وإن كنت أقرب إلى أحد من هذه الرواية فهو الراوي وليس البطل.

أما عن إمكانية تكرار تجربة هذه الرواية فأنا أرى أن كل رواية هي عمل قائم بذاته والتكرار يقتل الأديب أو الفنان.

– لماذا اشتهرت رواية موسم الهجرة إلى الشمال دون غيرها من الروايات التي كتبتها وهل هذا دليل على أن النقاد لم يعطوا لأعمالك الأخرى حقها؟

* الحقيقة أنني بالفعل اشتهرت بتلك الرواية لكن بالرغم من ذلك فأنا أرى أن رواية “بندر شاه” أهم من الموسم فهذا العمل بدأته منذ عشرين سنة وقسمته على جزأين “ضو البيت” و“ مريود” أي المحبوب، وناقشت في بنجر شاه مشكلتين الأولى كيف تكون مدينة والثانية كيف نحكمها ولا أعرف لماذا انشغل النقاد برواية الموسم دون سواها من رواياتي، ولا أريد أن أجني على النقاد فقد أعطوني حقي وزيادة، وهناك عدد كبير من النقاد العرب والغربيين قد قدموا صورة جيدة لأعمالي الروائية، وأوضح هنا أن الناقد له حرية لا تقل عن حرية الكاتب في تناول ونقد العمل الأدبي.

– ما رؤيتكم للواقع الحالي للرواية العربية وهل هذا هو زمن الرواية كما يقول البعض؟

* الواقع الحالي للرواية جيد جداً وهي تمر بفترة ازدهار، وهذا ليس معناه أن هذا هو زمن الرواية أو أنها أصبحت ديوان العرب – كما يقولون – فالعرب ديوانهم الشعر وسيظل.

– ما القيم التي تحاول أن تنتصر لها في رواياتك؟

* أنا أعمل ما يسمى بـ“الاكتشاف”، فهناك قيم حافظت على مجتمعنا وإن كانت هذه القيم قد تعرضت في السابق لهزات عنيفة لظروف متعددة فإن المهم الآن هو إعادة إيجاد سبل جديدة للإبقاء على هذه القيم، نحن الآن نعيش في عالم أصبحت تغلب عليه المادة، وأصبح الإنسان يعيش في بيئة غير أليفة، وهي مشكلة صنعها الإنسان وزرعته في ورطة، وهو الآن لا يعرف ماذا يفعل وإلى أين يسير، وعلى الإنسان أن يحل المشكلة وإلا سيفنى.

– لماذا يتهم الأدب العربي عامة – والرواية خاصة – أنه لا يناقش قضية التغيير بالرغم من أهميتها؟

* أختلف معك في ذلك، لأنه في تقديري أن الأدب العربي في الخمسين سنة الماضية كان يدفع إلى التغيير، كما أن الرواية العربية تطرح أسئلة كثيرة وقضايا كبيرة ولا تقبل بالمسلمات والثوابت، وهذا واضح عند كثير من الروائيين مثل نجيب محفوظ وغيره، ثم إن هناك حفراً قام به الأدب وقامت به الرواية وصولاً إلى التغيير حيث أسميه النهر الجوفي من الأفكار والفلسفات الموجودة في الوجدان العربي وفي التاريخ الإسلامي والتحريض على التغيير في الأدب لا يأتي بالطريقة المباشرة أو التقريرية التي تحدث في الصحافة أو في السياسة وربما هذا هو سبب خفوت هذه الصفة أو عدم وضوحها.

– كيف ينظر “الطيب صالح” إلى علاقة الأدب بالتراث أو الموروث الحضاري ككل؟

* أنا شخصياً أرى أن هناك سوء فهم للتراث في الساحة الفكرية والثقافية العربية فنحن كثيراً ما نتحدث عن التراث بوصفه شيئاً قديماً فحسب نحن نراه عشاً قديماً و“كراكيب” في غرفة مهجورة من بنائنا الحضاري المعاصر، وقد نفتح هذه الغرفة أحياناً لنأخذ منها كرسياً ما زال صالحاً للاستعمال والموروث في حقيقة الأمر يعيش في ذواتنا، فكل فرد منا هو عبارة عن امتداد – كما نعلم – للتاريخ ولذا يتضمن فيما يتضمن السلالة والجينات والموروث الفكري والروحي.. إلخ، وقد تطغى أشياء على أخرى في هذه المنظومة طبقاً لسياق المحيط الزمني والجغرافي أو الثقافي أو الاجتماعي الذي ندرسها فيه.

والذين يحاولون القطيعة مع التراث يدفعون الثمن غالياً جداً فهم يكتبون أشياء وفي ذواتهم أشياء أخرى على حين لا يستطيع أحدهم الادعاء بأن هذا الشيء معدوم أو غير موجود.

ومن جهة أخرى هناك من يفسرون التراث تفسيرات قد لا تصلح للعيش في هذا الزمن وهو نوع من المغالاة في التفسير، وبالطبع لابد من التفسير الإبداعي لهذا التراث، فالجانب الإبداعي في الأمة مهم جداً ولعلنا في العالم العربي إلى الآن لم نفهم قيمة هذا الإبداع.

– ما رأيك في اتجاه بعض الكتاب العرب إلى الكتابة باللهجات المحلية أو العامية وليست الفصحى، ألا ترى أن هذا يسهم في اتساع الفجوة بين القراء العرب؟ وهل العامية عائق أمام الوصول بالأديب للعالمية؟

* لاشك أن العامية قد تسهم في صعوبة فهم بعض الروايات ومن ناحيتي.. فأنا أؤمن أن اللغة العربية الفصحى هي أداة التعبير الأدبي الأولى، لكن قد يستعمل الأديب العامية، فمثلاً أنا أستعمل العامية السودانية ضمن السياق الفصيح في العديد من رواياتي ما عدا موسم الهجرة إلى الشمال فقد كتبتها بالفصحى، واللغة الفصحى لم تكن يوماً عائقاً وبالنسبة لكتابة الرواية كلها بالعامية فأنا لا أؤيد هذا الرأي والأفضل استخدام الفصحى لأنها لا تستعصي على الفهم.

– هل ترى أن جائزة نوبل وراءها أهداف سياسية، وهل كان نجيب محفوظ يستحق هذه الجائزة عندما منحت له؟

* بالطبع الأستاذ نجيب محفوظ كان يستحق الجائزة تماماً، وأعماله الروائية خير دليل على ذلك، أما الجائزة نفسها فقد نشأت في الغرب وموجهة في الأساس إلى الإبداعات الغربية، وعندما توجه إلى الإبداعات العربية أو الأفريقية فهذا يكون شيئاً عارضاً .. وهي دائماً تخفي وراءها أبعاداً سياسية.

– ما رأي الطيب صالح في نظرية الحداثة في الأدب، وهل استفدنا منها على المستوى الثقافي أم لا؟

* أعتقد أن بعض دعاة الحداثة منتمون أو مرتبطون بمنابع أخرى، ولذلك نراهم يتأثرون بحركات المد والجزر في البحور الأجنبية، فمثلاً إذا ظهرت أي صرخة في فرنسا أو أمريكا أو إنجلترا نراهم يسارعون إلى تبنيها وتقليدها، ولذا نجد شعراء كثيرين تأثروا بأدونيس فكتبوا شعراً فارغاً وخالياً من المعنى، ولذلك نحن كعرب لم نستفد من هذه الاتجاهات كثيراً.

– الحديث عن الحداثة يدفعنا إلى الحديث عن التغريب عامة أو ما يسمى بالغربنة وخطورتها بالنسبة لنا كعرب ومسلمين؟

* لقد جعلنا قضية الغربنة مشكلة، وإذا نظرنا إلى الكيفية التي تعامل بها اليابانيون مع هذه القضية سنجد أنهم لم يأخذوا ما يسمى بالصفقة على بعضها من الأمريكيين وإنما أخذوا ما يناسبهم فقط.

فالتقنية معرفة إنسانية تراكمية وعلمية واليابانيون والإنجليز والفرنسيون والأمريكيون استفادوا منها وأضافوا لها اختراعاتهم الجديدة ونحن أيضاً استفدنا منها ولكننا نسينا وحدث انقطاع في ذهننا وفي تاريخنا وفي إسهاماتنا الإنسانية بالإضافة للإحساس بالدونية على الرغم من أننا مساهمون في الحضارة المعاصرة، وإذا رجعنا إلى تاريخنا سنجد إسهام العرب والمسلمين في النهضة وفي العلوم والفلسفات إسهاماً كبيراً جداً لكننا نسينا وأصبحنا متلقين ومستهلكين فحسب.

ومن هذا فإن من الأشياء المهمة جداً التي يفعلها الفن والأدب إيقاظ الذاكرة الجماعية للأمة ولابد أن تتذكر الأمة أنها ليست بهذه الدونية وأنها بالقطع صاحبة اكتشافات علمية وصاحبة حضارة إسلامية سامية.

– كيف تنظر إلى الحوار بين الشمال والجنوب مع تغير الفترات التاريخية خاصة بعد مرور أكثر من نصف قرن على رصد هذه العلاقة في موسم الهجرة إلى الشمال وأيضاً أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟

* أرى أنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تغيرت جدلية هذه العلاقة، ويمكن أن نقول إن الشمال أصبح أكثر إدراكاً للجنوب، أي أن هناك تحسناً طفيفاً في هذه العلاقة، ولكن مع الأسف القضايا لم تتغير بتغير الفترات التاريخية، فالسيطرة والهيمنة مازالت قائمة، والفجوة في التنمية مازالت متسعة وتزيد يوماً بعد يوم خاصة في ظل العولمة واتفاقيات التجارة العالمية، وما دامت هذه القضايا مطروحة فإن التوتر سيظل موجوداً في العلاقة بيننا وانطلاقاً من هذا الفهم كنت قد قسمت العالم إلى شمال وجنوب وليس شرق وغرب ومن هذا فإنه إذا كان هناك حوار بالفعل فلابد أن يقوم على أساس الندية واحترام كل الموروثات الحضارية وليس على الرغبة في التسلط والسيطرة.

– باعتبارك أحد المثقفين المغتربين، كيف ترى ظروف المثقف المغترب الآن وهل اختلفت عن ظروفه قبل ذلك؟

* بالطبع اختلفت الظروف، فالمدرسة الأولى كانت لبنانية بالتحديد وكان لها عناصرها الخاصة وقضاياها الخاصة أما المثقف المهاجر الآن فيتميز بالجرأة الواضحة في الكتابة لأنه لا يخضع للقيود التي يخضع لها الكاتب داخل المجتمع العربي، وهذا يعطيه الفرصة لمناقشة كل القضايا بحرية تامة دون قيود.

– كيف تنظر إلى المشهد الثقافي في السودان حالياً؟

* للأسف أغلب المثقفين نزحوا من السودان سواء كانوا أكاديميين أم كتاباً أو شعراء أو مطربين أو موسيقيين واستقروا في بلاد الله الواسعة في أمريكا وكندا وغيرها من البلاد، وهذه الهجرة تركت فجوة وفراغاً لم يمتلئ حتى الآن، ولذا فإن المشهد الثقافي في السودان ليس كما يجب أن يكون، فهذا البلد مليء بالمواهب والكنوز البشرية.

– أديب وكاتب، هل فكرت يوماً في كتابة سيرتك الذاتية؟

* إذا شعرت أن هناك ضرورة لذلك سأكتب، وأنا أرى أنه ليس هناك ضرورة إلى الآن لأن حياتي ليس فيها شيء يستحق أن يسجل.. هي حياة عادية جداً، ولذا لم أفكر الآن في كتابة سيرتي.

قد يعجبك ايضا